صديق الحسيني القنوجي البخاري

174

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقيل نزلت في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه فله أن يشكو ما صنع به ، وبه قال مجاهد والأول أولى . وقال مقاتل : نزلت في أبي بكر الصديق وذلك أن أن رجلا نال منه والنبي حاضر فسكت عنه أبو بكر مرارا ثم رد عليه ، فقام النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال أبو بكر : يا رسول اللّه شتمني فلم تقل له شيئا حتى إذا رددت عليه قمت ، قال : إن ملكا كان يجيب عنك فلما رددت عليه ذهب الملك وجاء الشيطان فقمت « 1 » ونزلت هذه الآية . وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً هذا تحذير للظالم بأن اللّه يسمع ما يصدر منه ويعلم به . ثم بعد أن أباح للمظلوم أن يجهر بالسوء ندب إلى ما هو الأولى والأفضل فقال : إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ يدخل في هاتين الكلمتين جميع أعمال البر وجميع دفع الضرر أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ تصابون به فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً عن عباده قَدِيراً على الانتقام منهم بما كسبت أيديهم فاقتدوا به سبحانه فإنّه يعفو مع القدرة . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 150 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( 150 ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ لما فرغ سبحانه عن ذكر المشركين والمنافقين ، ذكر الكفار من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى لأنهم كفروا بمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فكان ذلك كالكفر بجميع الرسل والكتب المنزلة والكفر بذلك كفر باللّه . وينبغي حمل هذه الآية على أنه استلزم ذلك كفرهم ببعض الكتب والرسل لا أنهم كفروا باللّه ورسله جميعا ، فإن أهل الكتاب لم يكفروا باللّه ، ولا بجميع رسله لكنهم لما كفروا بالبعض كان ذلك كفرا باللّه وبجميع الرسل . وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني أنهم كفروا بالرسل بسبب كفرهم ببعضهم وآمنوا باللّه فكان ذلك تفريقا بين اللّه وبين رسله وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وهم اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد ، وكذلك النصارى آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ أي الإيمان والكفر سَبِيلًا أي دينا متوسطا بينهما . قال قتادة : أولئك أعداء اللّه اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة وبموسى ، وكفروا بالإنجيل وعيسى ، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى ، وكفروا بالقرآن ومحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، اتخذوا اليهودية والنصرانية وهما بدعتان ليستا من اللّه ،

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 436 .